ابن كثير
412
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
بعرفات ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال « أما بعد - وكان إذا خطب خطبة قال : أما بعد - فإن هذا اليوم الحج الأكبر ، ألا وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجهها ، وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس ، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها ، وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس مخالفا هدينا هدي أهل الشرك » ، هكذا رواه ابن مردويه ، وهذا لفظه ، والحاكم في مستدركه ، كلاهما من حديث عبد الرحمن بن المبارك العيشي عن عبد الوارث بن سعيد عن ابن جريج ، وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، وقد صح وثبت بما ذكرناه سماع المسور من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا كما يتوهمه بعض أصحابنا أنه من له رؤية بلا سماع . وقال وكيع ، عن شعبة ، عن إسماعيل بن رجاء الزبيدي ، عن المعرور بن سويد ، قال : رأيت عمر رضي اللّه عنه حين دفع من عرفة كأني أنظر إليه رجلا أصلع على بعير له يوضع « 1 » وهو يقول : إنا وجدنا الإفاضة هي الإيضاع . وفي حديث جابر بن عبد اللّه الطويل الذي في صحيح مسلم « 2 » ، قال فيه : فلم يزل واقفا - يعني بعرفة - حتى غربت الشمس ، وبدت « 3 » الصفرة قليلا حتى غاب القرص ، وأردف أسامة خلفه ، ودفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقد شنق للقصواء « 4 » الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ، ويقول بيده اليمنى : « أيها الناس السكينة السكنية » كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة ، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ، ولم يسبح بينهما شيئا ، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر ، حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة ، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام ، فاستقبل القبلة ، فدعا اللّه وكبره وهلله ووحده ، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا ، فدفع قبل أن تطلع الشمس . وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد أنه سئل : كيف كان يسير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين دفع ؟ قال : كان يسير العنق ، فإذا وجد فجوة نص . والعنق هو انبساط السير ، والنص فوقه . وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا أبو محمد ابن بنت الشافعي فيما كتب إليّ عن أبيه أو عمه ، عن سفيان بن عيينة قوله فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وهي الصلاتان « 5 » جميعا .
--> ( 1 ) أوضع الراكب الدابة : حملها على السير السريع . ( 2 ) صحيح مسلم ( حج حديث 147 ) ( 3 ) في صحيح مسلم « وذهبت » . ( 4 ) القصواء : هي ناقة النبي . ( 5 ) في الأصل « الصلاتين » .